يا فتى القرآن دستور
القرآن دستور الأمة وأساس نهضتها، وبه أنقذها الله من الظلمات إلى النور، لذا فقد كان أول ما عني به شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم هو القرآن وحفظه وتعلمه.
لقد كان الحرص الذي تمتع به أولئك - رضوان الله عليهم - مدعاة لأن يفوقوا غيرهم حتى يأمر النبي صلى الله عليه وسلّم باستقراء القرآن من أربعة، ثلاثة منهم من الشباب وهم معاذ، وابن مسعود، وسالم - رضي الله عنهم - إذ يقول: "استقرئوا القرآن من أربعة: من عبد الله بن مسعود فبدأ به، وسالم مولى أبي حذيفة، وأبي بن كعب، ومعاذ بن جبل". قال: لا أدري بدأ بأُبيّ أو بمعاذ. [روا ه البخاري 3758، ومسلم 2464 ].
ويشهد أنس - رضي الله عنه - مع معاذ لشاب آخر هو زيد بن ثابت - رضي الله عنه - بأنه قد وعى القرآن وجمعه فيقول: "جمع القرآن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلّم أربعة كلهم من الأنصار: أبي، ومعاذ بن جبل، وأبو زيد، وزيد بن ثابت". [رواه البخاري 3810، ومسلم 2465 ] .
وكان عمرو بن سلمة - رضي الله عنه - وهو من صغار الصحابة حريصاً على تلقي القرآن، فكان يتلقى الركبان ويسألهم ويستقرئهم حتى فاق قومه أجمع، وأهَّله ذلك لإمامتهم، ولنستمع لذلك من روايته - رضي الله عنه - إذ يقول: "كنا على حاضر فكان الركبان - وقال إسماعيل مرة: الناس - يمرون بنا راجعين من عند رسول الله صلى الله عليه وسلّم فأدنو منهم فأسمع حتى حفظت قرأناً، وكان الناس ينتظرون بإسلامهم فتح مكة، فلما فتحت جعل الرجل يأتيه فيقول: يا رسول الله، أنا وافد بني فلان وجئتك بإسلامهم، فانطلق أبي بإسلام قومه فرجع إليهم، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: قدّموا أكثركم قرأناً. قال: فنظروا وإني لعلى حِواء عظيم. [الحِواء: بيوت مجتمعة من الناس على ماء، والجمع أحوية. النهاية 1/ 465]. فما وجدوا فيهم أحداً أكثر قرأناً مني، فقدموني وأنا غلام...". [رواه أحمد 20356 ] .
ونلمس الحرص نفسه عند زيد بن ثابت - رضي الله عنه - فيأتي قومه إلى النبي صلى الله عليه وسلّم مفاخرين بما حصَّل صاحبهم، يحدثنا عن ذلك فيقول: إن قومه قالوا للنبي صلى الله عليه وسلّم: "هذا غلام من بني النجار معه مما أنزل الله عليك بضع عشرة سورة، فأعجب ذلك النبي صلى الله عليه وسلّم، وقال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود؛ فإني والله ما آمن يهود على كتابي.
قال زيد: فتعلمت كتابهم ما مرت بي خمس عشرة ليلة حتى حذقته، وكنت أقرأ له كتبهم إذا كتبوا إليه، وأجيب عنه إذا كتب". [رواه البخاري تعليقاً، وأحمد 21673 ] .
وآخر أيضاً جاوز العاشرة بقليل وهو البراء بن عازب - رضي الله عنه - يقول: "فلم يقدم علينا رسول الله صلى الله عليه وسلّم حتى قرأت سوراً من المفصل [ طبقات ابن سعد 4/ 271 ] .
وسبق في قصة ابن مسعود - رضي الله عنه - قوله: "ثم أتيته بعد ذلك قلت: علمني من هذا القرآن قال: إنك غلام معلم، قال: فأخذت من فيه سبعين سورة". [رواه أحمد 3598 ] .
وابن عباس - رضي الله عنه - يقول عن نفسه: "توفي رسول صلى الله عليه وسلّم وأنا ابن عشر سنين وقد قرأت المحكم". [رواه البخاري 5035 ] .
والمحكم هو المفصل .بل قال في رواية أخرى عن نفسه: "سلوني عن التفسير، فإني حفظت القرآن وأنا صغير". [أورده الحافظ في الفتح، وقال: وأخرجه ابن سعيد وغيره بإسناد صحيح عنه ] .
وقال محمد بن إسحاق عن مجمع بن جارية: "كان حدثاً قد جمع القرآن". [الإصابة 5/ 577 ] .
ويحمد النبي صلى الله عليه وسلّم ربه تبارك وتعالى أن جعل في أمته مثل سالم مولى أبي حذيفة - رضي الله عنه - فعن عائشة - رضي الله عنها - قالت: أبطأت على النبي صلى الله عليه وسلّم فقال: "ما حبسك يا عائشة" قالت: يا رسول الله، إن في المسجد رجلاً ما رأيت أحداً أحسن قراءة منه، قال: فذهب رسول الله صلى الله عليه وسلّم فإذا هو سالم مولى أبي حذيفة قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: "الحمد لله الذي جعل في أمتي مثلك". [رواه أحمد 25374، وابن ماجه 1338 ] .
إن هذا ليمثل أعظم دافع لشبابنا بأن يغتنموا سني شبابهم في حفظ كتاب الله تبارك وتعالى والعناية به، كيف لا وقد رتب الشرع على ذلك الفضائل العظيمة.
فمن ذلك قوله صلى الله عليه وسلّم: "مثل الذي يقرأ الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران". [رواه البخاري 4937 ] .
وقد جعل الشرع حامل القرآن مقدماً على الناس، فهو أحقهم بالإمامة في الصلاة إذ قال صلى الله عليه وسلّم: "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة..". [رواه مسلم 673 ] .
ولا يقف التقديم عند حد الحياة بل حتى بعد موته فعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: كان النبي صلى الله عليه وسلّم يجمع بين رجلين من قتلى أحد، ثم يقول: "أيهم أكثر أخذاً للقرآن؟" فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد، فقال: "أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة...". [رواه البخاري 1353 ] .
وتعلو درجة حامل القرآن يوم القيامة حين يدخل الجنة فعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما - عن النبي صلى الله عليه وسلّم قال: "يقال لصاحب القرآن اقرأ وارتق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية تقرأ بها". [رواه وأبو داود 1464، الترمذي 2914 ] .
إن هذه النصوص وغيرها كانت تدفع شباب الرعيل الأول للعناية بالقرآن وتعلمه وتعاهده، فما أجدر شبابنا بالسير على نهجهم واقتفاء أثرهم.
ويزداد سرور المرء اليوم وهو يرى الشباب المسلم الغض قد بدأ يتوافد على حلق حفظ القرآن، ويثني ركبه في المساجد ويقضي نفيس أوقاته في ذلك، فيدرك أن ذلك بادرة خير وأمارة صلاح بإذن الله، وعلامة على السير على منهج السلف.
الأمر لا يقف عند مجرد الحفظ:
ولم يكن الأمر لدى شباب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في تعلم القرآن واقفاً عند مجرد حفظه وإقامة حروفه بل كانوا يتعلمون أحكامه وحدوده.
يحدثنا عن ذلك أحدهم وهو ابن مسعود - رضي الله عنه - إذ يقول: "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن، والعمل بهن". [أخرجه الطبري في تفسيره 1/ 35. وانظر: حاشية سير أعلام النبلاء 1/ 490 ] .
ونحن اليوم إذ نشهد هذا الإقبال من الشباب على حفظ كتاب الله والمسارعة في ذلك والمسابقة فيه، نتمنى أن ينضم لذلك العناية بتدارس القرآن والتعرف على معانيه والقيام بحقوقه.
إن الحفظ وسيلة إلى ما بعده من المداومة على التلاوة والقراءة والتدبر والوقوف عند المعاني، ومن ثم أخذ النفس بها والالتزام بما دلت عليه.
ومن فقه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم في هذا الأمر موقف ابن عباس - رضي الله عنهما - إذ قدم رجل على عمر فجعل عمر يسأله عن الناس، فقال: يا أمير المؤمنين، قد قرأ القرآن منهم كذا وكذا، فقلت - ابن عباس -: والله ما أحب أن يسارعوا يومهم هذا في القرآن هذه المسارعة، قال: فزبرني عمر، ثم قال: مه، فانطلقت إلى منزلي مكتئباً حزيناً، فقلت: قد كنت نزلت من هذا بمنزلة ولا أراني إلا سقطت من نفسه، فاضطجعت على فراشي، حتى عادني نسوة من أهلي وما بي وجع، فبينا أنا على ذلك، قيل لي: أجب أمير المؤمنين، فخرجت فإذا هو قائم على الباب ينتظرني، فأخذ بيدي، ثم خلا بي، فقال: ما الذي كرهت مما قال الرجل آنفاً؟ قلت: يا أمير المؤمنين، إن كنت أسأت فإني أستغفر الله وأتوب إليه وأنزل حيث أحببت، قال: لتخبرني، فقلت: متى مايسارعوا هذه المسارعة، يحيفوا، ومتى مايحيفوا يختصموا، ومتى مايختصموا يختلفوا، ومتى مايختلفوا يقتتلوا، قال: لله أبوك لقد كنت أكاتمها الناس حتى جئت بها. [أخرجه عبد الرزاق في المصنف 20368. وفي هذا الأثر درسان: درس لطالب العلم في الأدب مع الأكابر، ودرس للمعلم في التواضع، وسعة الصدر لرأي تلاميذه، وقبول الحق ممن جاء به ] .
تعليم القرآن:
ويدرك الشباب من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلّم أن حفظ القرآن وتعلمه يتطلب منهم أن يقوموا بواجب التعليم، كما أخبر صلى الله عليه وسلّم: "خيركم من تعلم القرآن وعلمه". [رواه البخاري 5027 ] .
ولهذا بعث عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أحدهم وهو مجمع بن جارية - رضي الله عنه - لأهل الكوفة يعلمهم القرآن. [الإصابة 5/ 577 ] .